Tuesday, March 1, 2011

البعـــــد الفلسفي لليبراليـــــــــــه بقلم الاستاذ نزار قاسم

البعد الفلسفي لليبرالية
بقلم
نزار قاسم محمد

تقوم بعض الجهات والتيارات بشن الهجوم  - بمناسبة أو دون مناسبة - على التيار الليبرالي ناقلة عنه للعامة صورة لا تمت بصلة إلى الحقيقة ، ومحرضة ضده من منطلق انه تيار يدعو لى التحرر وانه على الصعيد السياسي يرتبط بالإمبريالية والرأسمالية في الغرب يروج لبرامجهم السياسية والاقتصادية والثقافية ويتآمر معهم ضد الإسلام والعروبة.. الخ .  وقد انطلت هذه المزاعم على الكثيرين بحيث لم يعودوا يتذكرون أن التيار الليبرالي في المنطقة العربية له جذور قديمة ولعب دورا أساسيا في وضع لبنات الاستقلال والتمدن والعصرنة والبناء . ومن هنا برزت الحاجة إلى التوعية بالأهداف والبرامج الحقيقية للتيار الليبرالي مع الإشارة إلى البعدين التاريخي والفلسفي لليبرالية كمفهوم يسعى إلى إعمال العقل والتفكير وتحرير الفرد من شتى أشكال الوصاية ، ومقاومة الظلم والعنف والتطرف والإقصاء والتمييز تحت أي عنوان ومن أي مصدر. تأتي الحاجة المتزايدة اليوم إلى الليبرالية وإشاعة مفاهيمها من حقيقتين أساسيتين:
أولاً: إن الأشكال الأخرى من التوجهات والمفاهيم السياسية التي طبقتها أوطاننا في مسيرتها منذ الاستقلال لم تؤد إلا إلى المزيد من الإحباط والتراجع والتخلف، بل إلى الهزائم المتتالية. ويخطئ من يظن، بفعل الوقوع في فخ مزاعم خصوم الليبرالية، أن الليبراليين كان لهم يد في تلك الهزائم والتراجعات المريرة. والسبب ببساطة أنهم اخرجوا سريعا من السلطة في السنوات الأولى للحقبة الاستقلالية على يد العسكر وحلفائهم من الجماعات الاخرى.
ثانيا: إن كل ما تحقق في العوالم الأخرى، ولاسيما في العالم الغربي واليابان والهند،من نجاحات على مختلف الصعد الحضارية، حدث في ظل أنظمة ليبرالية، بمعنى انه لولا اعتماد تلك الأنظمة للمفاهيم الليبرالية وترسيخها كنهج للعمل وخيار نهائي لما حققت أي إنجاز ولكان حالها أشبه ببقية الأوطان النامية.. ويمكن هنا أن نضيف أن بعضا من كبار فلاسفة الغرب الكلاسيكيين ممن أنتجوا نظريات مضادة لليبرالية لم يكن بإمكانهم القيام بذلك لولا ما وفرته لهم المناخات الليبرالية من حرية التفكير والبحث. وهكذا فان ترسيخ المفاهيم الليبرالية بات ضرورة إذا ما أردنا أن نقتفي اثر الأمم الناهضة ونؤسس لدولة حديثة تتفاعل مع العالم المحيط وتنافسه علماً وحقوقاً وتنمية واستقراراً ورخاء، أما إذا أردنا أن نكون مجرد متحف من متاحف التاريخ أو أمة تهوى الضعف والانحطاط المؤدي إلى انقراضها، فتلك قضية أخرى. يجب ان نعلم انه لا دولة حديثة دون ديمقراطية، ولا ديمقراطية دون تعددية، ولا تعددية دون ليبرالية. ويمكن أن نواصل لاءاتنا بإضافة "ولا ليبرالية دون علمانية" لولا اننا نرغب في تجنب إثارة من يرى في العلمانية كفرا. أن مصطلح "ليبرالي" أو " ليبراليون" تم تداوله منذ القرن الرابع عشر الميلادي في أوروبا، إلا أنه وقت ذاك وعلى مدى القرون الأربعة التالية لم يكن يشير إلى نظرية سياسية متكاملة أو مذهب سياسي واضح بقدر ما كان يشير إلى مجموعة أفكار ومواقف اجتماعية مثل الانفتاح الفكري ورحابة الأفق وحرية الاختيار. ومع مرور الوقت بدأت الليبرالية تعكس طموحات الطبقات المتوسطة الصاعدة في الإصلاح والانعتاق من السلطة الملكية المطلقة وسلطة الأرستقراطيين من ملاك الأرض ومبدأ "الحق الإلهي للملوك". وهكذا فان الثورة الإنجليزية في القرن السابع عشر والثورتين الأمريكية والفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر حملت في طروحاتها مقومات الليبرالية بمناداتها بالحكم الدستوري والحكومات البرلمانية ومعارضتها لأشكال الحكم الإقطاعي وهيمنة الكنيسة والامتيازات الممنوحة لطبقة الملاك. ويمكن القول بشيء من التجاوز أن الظهور الحقيقي لليبرالية في الغرب كمفهوم سياسي واقتصادي متكامل كان في القرن التاسع عشر، وكنتيجة لمساهمات متفرقة في أوقات مختلفة لعدد من الفلاسفة من أمثال جان جاك روسو وآدم سميث. ففي هذا القرن لم تظهر الليبرالية كأيديولوجية فقط وإنما حققت الانتصار على ما عداها، خاصة مع انتشار التصنيع في البلدان الغربية وقيام نظام الرأسمالية الصناعية واقتصاد السوق الخالي من تدخل الحكومة، وتأسيس أنظمة دستورية تحد من سلطات الدولة وترسخ الحقوق المدنية وتطلق حريات التعبير. وعلى العكس من بقية الإيديولوجيات التي ظلت في حالة من عدم قدرة على التفاعل مع المتغيرات العالمية والظواهر الجديدة. ان الليبرالية أثبتت قدرتها على نقد ذاتها والإضافة إلى مفاهيمها أو إعادة تشكيل بعض مبادئها. ومن هنا تختلف الليبرالية الكلاسيكية عن الليبرالية الحديثة في بعض الجوانب وإن كان الأساس الفلسفي واحداً ويمثل بالالتزام بحرية الفرد. فمثلا لم يعد الليبراليون يشددون على تضييق مساحة تدخل الدولة في حياة المواطنين إلى أقصى حد كما في الليبرالية الكلاسيكية، بل صاروا ينادون بفكرة مسؤولية الدولة عن تقديم الكثير من الخدمات الاجتماعية للمواطنين وتنظيم الشأن الاقتصادي، ليس بمعنى أن يكون للدولة دور منافس لأصحاب الأعمال وإنما بتدخلها عبر تشريع قوانين من اجل الحد من بعض السلوكيات الضارة المضادة لمبدأ العدالة. يلتزم الليبراليون بمجموعة من القيم والمبادئ تشكل في مجموعها موقفا أخلاقيا نبيلا من قضايا حيوية أساسية. ويمكن اختصار هذه المبادئ فيما يلي:
أولا: احترام إنسانية الإنسان، بمعنى الاعتراف بكيانه الفردي وبأنه الأساس والجوهر الذي لا يمكن تجاهله أو الحط من قدراته وعقليته أو اعتباره مجرد رقم. وهذا كله بطبيعة الحال من منطلق أن الفرد متىوطموحاته الفردية، يستطيع التصدي لمشاكل المجتمع بطريقة أفضل ويقدر على الإنجاز ووالإبداع وبشكل مبهر لمصلحة وطنه، وهكذا فان الليبراليين يعطون أهمية قصوى للفرد تفوق أهمية الجماعة ويعتبرون أن وظيفة المجتمع هي حماية مصالح واحتياجات الفرد، وأن كرامة ومساواة الأفراد يجب أن تكونا غاية وليستا وسيلة لبلوغ أهداف جماعية. لكنهم في الوقت نفسه وكنتيجة للتطور الذي ادخلوه على مفاهيمهم يؤكدون على أهمية المسؤولية الاجتماعية.
ثانيا: اعتبار أن الحرية شرط لا غنى عنه لتمكين الأفراد من تنمية قدراتهم ومهاراتهم وتحقيق ذواتهم بما يتفق مع رغباتهم ويحقق لهم الرضا. ويشمل هذا المفهوم حق الفرد، متى ما بلغ سن الرشد، في اختيار مأكله وملبسه وعمله ومعتقده وقراءاته وشريكة حياته وطريقة إنفاق ماله أو قضاء وقته أو تحديد نوع نشاطه أو اختيار أصدقائه دون وصاية من أي سلطة كانت. غير أن هذا لا يعني طبقا للمفهوم الليبرالي الحديث منح الأفراد حرية مطلقة غير محددة. فحرياتهم مقيدة بعدم الإساءة إلى الآخرين أو إلحاق الضرر بهم أو تجاوز القانون والنظام.
ثالثا: إخضاع كل شيء لحكم العقل، بمعنى توظيف هذه الآلة الجبارة التي وهبها الله للإنسان في التوصل إلى الحقائق والاستنتاجات دون وصاية خارجية سواء من سلطة الاستبداد السياسي أو سلطة الاستبدادالاجتماعي. وهذا بطبيعة الحال نقيض منح الفرد إجازة لعقله والاستسلام للغيبيات والخرافات واملاءات الآخرين أو الرضا بالتجهيل. ومن هنا تعطي الليبرالية قيمة كبرى للمعرفة والتعليم كوسيلة أساسية للارتقاء وتنمية الفرد والمجتمع، كما تعطي أهمية للحوار والنقاش والبحث النقدي باعتبار أن هذه الطرائق كفيلة بالتوصل إلى نتائج عقلانية ومنطقية.
رابعا: الالتزام الصارم بأن الناس جميعهم متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات دون تمييز قائم على النوع أو الجنس أو اللون أو المذهب أو الدين أو الخلفية الاجتماعية. ومن هنا كانت مناداتهم بان تكون للأفراد فرص متساوية لتنمية ذواتهم وبالتالي فرصا متساوية للصعود اجتماعيا ووظيفيا. ومن هنا أيضا كانت معارضتهم لتدخل الدولة من اجل فرض المساواة فرضا كما في الأنظمة الاخرى، وذلك انطلاقا من كان معترفا به ككيان قائم بذاته له استقلاليته وكينونته واحتياجاته أن الأفراد لم يولدوا متساوين في مواهبهم وملكاتهم. غير أن هذه المعارضة لتدخل الدولة تصبح مقبولة إن كانت بغرض القضاء على التمييز وحماية تكافؤ الفرص.
خامسا: التشديد على مفهوم التسامح وقبول الاختلاف والتنوع وترسيخه كثقافة مناقضة للقمع ومصادرة الحريات وفرض الرقابة والإقصاء والتخوين والهيمنة من طرف ضد أطراف أخرى. وبعبارة أخرى تسعى الليبرالية إلى إقامة مجتمع تعددي يعمل مختلف الأطياف فيه بحرية وباعتراف متبادل تحت مظلة القانون.
سادسا: التأكيد على أن العلمانية شرط لقيام الدولة الليبرالية. فحيث لا تكون هناك علمانية لن تكون هناك ليبرالية. وعلى العكس مما يروجه خصوم الليبرالية، فان العلمانية في المفهوم الليبرالي لا تحارب الدين ولا تلغيه ولا تفرض على الناس تركه، وإنما ينزهه بإبعاده عن الواقع السياسي الموبوء، عن طريق منع تدخل المؤسسة الدينية في أعمال المؤسسات الدنيوية تاركا للناس ممارسة عقائدهم كل بحسب قناعاته. وتتضح جدوىالعلمانية في حالة الدولة ذات المكونات الدينية المتنوعة، حيث تقف الدولة على الحياد التام إزاء الأديان، مانعة امتلاك جماعة دينية لحظوة أو نفوذ على حساب الجماعات الدينية الأخرى.
 سابعا: إن الديمقراطية بأدواتها ومظاهرها المعروفة شرط لتحقق المبادئ سالفة الذكر وترسخها. وبعبارة أخرى لا يستخدم الليبراليون الديمقراطية كوسيلة للوصول إلى السلطة وبالتالي التحكم في رقاب من لا ينتمون إليهم إقصاء أو تمييزا أو اضطهادا، ولا يختزلونها في الانتخابات والبرلمانات وصناديق الاقتراع، ولا يخرجونها عن مضامينها القيمية الحقيقية المتفق عليها من تسامح وحرية واعتراف بالآخر المختلف،  بل يعتبرونها أولا وقبل كل شيء سيادة الشعب من اجل الشعب ومن هنا فان الديمقراطية طبقا للمفهوم الليبرالي يقوم على المواطنة بمعنى انتماء الفرد للدولة وليس للدين أو العرق أو الثقافة ومساهمته في الحياة السياسية من هذا المنطلق وحده، وتساويه مساواة تامة مع شركائه في الوطن أمام القانون في الحقوق الواجبات دون النظر إلى دينه أو عرقه أو أصله أو جنسه، بما في ذلك حق إشغال أعلى مناصب الدولة والقضاء. ويعتبر الليبراليون أن الالتزام بمرجعية حقوق الإنسان هو أساس الديمقراطية ولبها.  
*********************************************************

No comments:

Post a Comment